أبي منصور الماتريدي

309

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

يصليهم سقر بشيء لا إرادة لهم فيه . وإن « 1 » سلمتم أنه أراد إصلاءهم سقر إذا داموا على الكفر واستقروا عليه ، فقد لزمكم أن تقولوا : إن الله تعالى أراد من كل أحد ما علم أنه يختاره ، ويكون منه . ويقال لهم : إن الله تعالى يقول : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ [ الإسراء : 111 ] ، ولو كان الأمر على ما زعمتم : أنه يريد من كل كافر أن يسلم ، ويؤمن به ، ويريد الكافر أن يكفر به ، ويعاديه « 2 » ، فإذن قد أراد أن يكون له ولي من الذل ؛ لأنه يريد أن يواليه مع اختيار الكافر في معاداته ، تعالى الله عما يقول الظالمون علوّا كبيرا . وقوله - عزّ وجل - : إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . قال الفقيه [ - رحمه الله - ] « 3 » : إن فراعنة رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم اعتقدوا « 4 » معاندة الحق ، واعتقدوا صد الناس عن سبيل الله وأن يطفئوا نوره ، فأرادوا أن يجمعوا على أمر ينسبونه إلى رسول الله صلّى اللّه عليه وسلم على وجه ينفون عن أنفسهم سمة الجهل وتهمة الكذب في ذلك ، على ما ذكروا أن الوليد جمع أصحابه ، فقال : إن هذه أيام الموسم ، وإن « 5 » الناس سائلوكم عن هذا الرجل ؛ فما ذا تقولون ؟ فقال بعضهم : نقول : هو شاعر ؛ قال : إنهم قد سمعوا الشعر ، وما قوله بقول شعر . وقال بعضهم : نقول : هو كاهن ؛ فقال : إن الكهانة معروفة عند العرب ، وإذا سمعوا قوله عرفوا أنه ليس بكاهن ؛ فيكذبونكم . وقال بعضهم : نقول : هو كذاب ؛ فقال : إنا قد اختبرناه فما أخذنا عليه كذبة قط . فقال بعضهم : نقول : هو مجنون . فقال : إذا نظروا إليه علموا أنه ليس بمجنون ، فأعيا عليهم ، ففكر في نفسه وقدر ، فقال : إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ « 6 » : ما هذا الذي أتى به إلا سحر يؤثره عن غيره - أي : يرويه - فاتفقت كلمتهم على تسميته : ساحرا ، وقالوا : الساحر يفرق بين اثنين ، وقد وجد منه التفريق بين الآباء والأولاد وبين ذوي الأرحام ؛ رجاء أن يصلوا إلى مرادهم من صد الناس عن سبيل الله تعالى وإطفاء نوره ؛ مكرا منهم ،

--> ( 1 ) في ب : فإن . ( 2 ) في ب : وبعبادته . ( 3 ) في ب : رضي الله عنه . ( 4 ) في ب : عقدوا . ( 5 ) في ب : فإن . ( 6 ) أخرجه أبو نعيم في الدلائل من طريق مجاهد عن ابن عباس ، كما في الدر المنثور ( 6 / 454 ) وله طرق أخرى ذكرها السيوطي في المصدر السابق .